الفايكينغ – غزاة الشمال

راديو بيتنا . تاريخ, ثقافة, مجتمع 918

■ إذا كنت تعتقد أن والدك كان قاسياً في معاملته معك ، فقد تعيد النظر في رأيك بعد التعرف على “إريك” الملقب بالأحمر والذي كان قاتلاً خارجاً عن القانون هائماً في المنفى ورحالاً لا يخاف شيئاً. لقد كان “إريك” هذا أول من قاد حملة استكشافية للفايكينغ إلى غرينلاند عام 982 قبل الميلاد، فأقام مستوطنة بعد أربع سنوات من وصوله إلى غرينلاند ،وهو المكان الذي عُرف آنذاك بحافة العالم. أما ابنه “ليف” فقد ذهب في استكشافاته إلى أبعد ما وصل إليه والده من قبله.  
 
رسم تقريبي لمحارب الفايكينغ
 ينحدر الفايكينغ أو رجال الشمال كما يُطلق عليهم من البلاد الاسكندنافية ومن النرويج خصوصاً، وكانوا جماعة مقاتلة تعمل بالاستكشاف والتجارة ضمن حدود منطقة عريضة امتدت من روسيا وصولاً إلى العراق القديم. ( إن مصطلح فايكينغ على الرغم من أنه يستخدم عادةً كمصطلح عام لوصف رجال الشمال ، إلا أنه يعنى القراصنة ذوي السفن الطويلة). يُذكر أن رجال الشمال وصلوا إلى غرينلاند صدفة حين عصفت الرياح بإحدى سفن المؤن لديهم وضّلت مسارها بفعل كثافة الضباب. وبعد انقشاعه وانتهاء العاصفة ، وجد طاقم السفينة نفسه أمام شاطئ بعيد ومجهول ، غير أنهم عادوا أدراجهم بدون الهبوط على الشاطئ لاستكشافه. فكانت تلك القصة المشوقة حافزاً دفع (ليف) ابن (إريك) إلى الإبحار بحثاً عن تلك “الأراضي المجهولة” في الألفية الأولى قبل الميلاد.
 
أبحر (ليف) ورجاله غرباً وسرعان ما هبطوا على جزيرة (بافين) التي أطلقوا عليها اسم (هلوولاند) أو أرض الحجر المسطح ، ولعل تسميتها بأرض الجحيم كان أكثر دقة نظراً لكونها أرض جرداء تعصف بها الرياح من كل جانب. عند توجهها شمالاً ، وصلت المجموعة إلى شواطئ (لابرادور) التي كانت تغطيها أشجار كثيفة ، فأطلق عليها (ليف) اسم (ماركلاند) أو أرض الغابات.
 
واصلت المجموعة إبحارها باتجاه الجنوب وبعد يومين من الإبحار شاهدوا أرضاً أخرى. لكن تلك الأرض هذه المرة كانت تبعث على الدفء والسرور، فأقام (ليف) ورجاله مخيماً عليها لاستكشاف أعماقها، فعثروا على غابات من الأشجار الكثيفة، ومراع طبيعية شاسعة، نمت فيها سنابل القمح بوفرة وكثرت في جداول أنهارها أسماك السلمون، وتدلت عناقيد العنب من كرماتها بكثرة. مسروراً بما رآه من خيرات الطبيعة، أطلق (ليف) على هذه المنطقة اسم (فاينلاند) أو (أرض النبيذ) ثم عائد بسفينته محملة بأخشاب توازي زنتها ذهباً حيث أن غرينلاند كانت تخلو من الأشجار ، فاستطاع (ليف) خلال هذه الرحلة فقط أن يحقق لنفسه ثروة طائلة.
 
لم يعد (ليف) بعد ذلك إلى (فاينلاند) ، بعكس شقيقه (ثورفالد) الذي قصدها برفقة ثلاثين رجلاً محملين بالمؤن. فأمضوا الشتاء في مخيمات مؤقتة وقاموا باستكشاف المنطقة على أمل إقامة مستوطنة دائمة لهم فيها. وهناك التقت مجموعتهم بالسكان الأصليين للمنطقة والذين أطلق عليهم الفايكينغ اسم (سكرايلينغز) أو (البرابرة) الذين يُعتقد إلى حد كبير أنهم أجداد سكان (لابرادور) الأصليين اليوم والذين يعرفون باسم (إنوو) ، أو لربما كانوا من قبائل الـ (بيوثاك) أو من (الإنيووت) ، غير أنه لا يمكن لأحد أن يجزم بالتأكيد. كان (ثورفالد) هو أول من التقى بهم أثناء إحدى رحلاته الاستكشافية بمحاذاة شاطئ (لابرادور) حين صادف رجاله تسعة من السكان الأصليين نائمين تحت قوارب مغطاة بالجلود. فما كان بهم إلا أن هاجموهم وقتلوهم جميعاً باستثناء واحد تمكن من الإفلات والهرب. فعاد السكان الأصليين في وقت لاحق بقوة كبيرة واحتدمت بينهم وبين رجال الشمال معركة شرسة ، أصيب على إثرها (ثورفالد) بسهم أدى إلى وفاته فيما بعد. فكان ذلك أول اتصال موثق تاريخياً بين الأوروبيين والسكان الأصليين، اتصال لم يكن يبشر بمستقبل متفائل.
 
في العام 1012 قبل الميلاد تقريباً ، انطلقت حملة بحرية كبيرة تضم ثلاثة سفن على متنها 160 مستوطناً وعدد من رؤوس الماشية كالأبقار والثيران والجديان وربما الخنازير والماعز أيضاً. نزل المستوطنون على أحد شواطئ نيوفندلاند على الأرجح ، وقد شهد العام التالي ولادة أول مولود للفايكينغ على هذه الأرض. أطلق عليه اسم (سنوري) ليكون بذلك أول صبي أوروبي يولد في العالم الجديد.
 
عمل المستوطنون الجدد بالتجارة مع مجموعات من السكان الأصليين للمنطقة، غير أن تلك العلاقة كانت تشوبها مشاهد التوتر وسرعان ما تحوّلت إلى أعمال عنف متبادل. حيث قام صيادون من السكان الأصليين بمهاجمة أحد مخيمات رجال الشمال فقتلوا اثنين منهم ودفعوا الآخرين إلى الهرب. ولم يستطع التصدي لهم أحد سوى (فرايديس) المحاربة وهي شقيقة (ليف) التي انتزعت سيفاً من يد أحد مواطنيها الذي سقط على أرض المعركة ، فإذ بها تكشف عن أحد نهديها في علامة تحد واضحة وتواجه المهاجمين وجهاً لوجه بدون خوف، فما كان من المعتدين إلا أن انسحبوا وانتهت المعركة. (غير أن رجال الشمال ردوا على الهجوم بنصب كمين لمجموعة استكشافية من السكان الأصليين بعد فترة قصيرة من انتهاء المعركة)
 
لقد كان لسوء أحوال المناخ والتهديد المستمر الذي شكلته مجموعات من السكان الأصليين أثره السلبي على المستوطنين، هذا إلى جانب عزلتهم بعيداً عن موطنهم الأصلي وتأثير ذلك عليهم من الناحية النفسية. وفي نهاية المطاف تخلى الفايكينغ عن مستوطناتهم في (فاينلاند) ، لكن زياراتهم إلى أميركا الشمالية استمرت بشكل منتظم لمئات السنين بعد ذلك. وكما ذكرنا آنفاً لم يكن الاتصال بين رجال الشمال والسكان الأصليين تشوبه العداوة دائماً. فالوثائق التاريخية تفيد بتجدد علاقات التبادل التجاري بين الطرفين ، وكان الدليل على ذلك العثور على أدوات من صنع رجال الشمال استخدمها عدد من أفراد مجتمعات الأنيووت الشمالية. 
 
بقلم : حسام مدقه 

راديو بيتنا

صوت الجالية العربية المستقل في كندا ، يبث على مدار أربع وعشرين ساعة يومياً ، مقدماً أجمل الألحان والموسيقى العربية من الثمانينيات إلى اليوم. منذ انطلاقته عام 2010 بلغ راديو بيتنا مرتبة متميزة لدى مستمعيه لاسيما في أمريكا الشمالية وأوروبا ، وبقية دول العالم ، بفضل حضوره المتميز على شبكة الإنترنت ، حيث بلغت نسبة تواصل مستمعيه ومتابعي صفحته على الأجهزة الذكية مستوى لم تصل إليه إذاعات محلية أخرى في كندا والولايات المتحدة.

[ دليل السواقة العربي ]

  • نذكر متابعي موقعنا بأنه في إمكانهم طلب نسخة إلكترونية من دليل السواقة العربي في أونتاريو - كندا بعد التسجيل

    تسجيل