الخمسة جنيهات المهترئة

راديو بيتنا . علاقات, مجتمع 451 لاتعليقات

• ذات يوم أعطاني أحدهم ورقة مالية من فئة الخمسة جنيهات ، كانت قديمة وبالية ومهترئة. سامح الله من أعطاني إياها. حاولت التخلص منها في أكثر من مناسبة وطريقة. حاولت أن أدفع بها لصاحب كشك في الشارع ، لكنه رفض وطلب غيرها ، حاولت أن أدفع تعرفة ركوب الميكروباص ، لكن السائق رفض هو الآخر. حتى محطات الوقود التي عهدتها تقبل بهكذا عملات ورقية مهترئة رفضت أن تأخذها مني. حاولت التصدق بها لشحاذ لكنه رماني بنظرة جعلتني أخجل من نفسي وأعطيه غيرها … إلى أن اقتنعت بأنني لن أتمكن من التخلص من ورقة الخمسة جنيهات هذه ، وتوقفت عن محاولة صرفها وأبقيتها في محفظة نقودي معتبرها مجرد ورقة.

مرت الأيام ودخلت محفظتي نقود من هنا وهناك ، عيدية ، راتب ، بقشيش ، نقود إدخرتها واشتريت بها محمولاً ، نقود فقدتها وتحسّرت عليها ، كل هذا ولا تزال ورقة الخمسة جنيهات في محفظتي كما هي ، ثابتة في مكانها لا تتغير ، ولم تُشعرني بأن محفظتي خالية من النقود أبداً. حتى عندما كنت أنفق كل ما فيها ، كنت أجدها متربعة في قلب المحفظة ، إلى أن مررت ذات يوم بكشك في الشارع يمتلكه شخص أعرفه. أردت أن أشتري كيساً من البطاطا المقلية بخمسة جنيهات. تناولت كيساً ، وحين أردت أن أدفع ثمنه لم أجد معي سوى قطعة ورقية من فئة المئتين جنيه. لم يكن صاحب الكشك لديه صرافة تكفي ليعيد إليّ باقي المبلغ ، فعرض عليّ أن آخذ الكيس على حسابه وما إلى ذلك ، لكنه لاحظ وجود الخمسة جنيهات في محفظتي ، فسألني عنها. أخرجتها وأريتها له ، قلت له إنها لن تنفعه أبداً ولن يتمكن من صرفها لأنها مهترئة. ضحك وقال لي أعطني إياها ولا تهتم.

عندما مد يده ليأخذها انتابني شعور غريب. شعرت بتردد وتراجعت يدي إلى الوراء. قلت لنفسي ، لماذا لا أريد أن أعطيها له ، هل أعطيها له أم ماذا ؟ أليست هذه الخمسة جنيهات التي تمنيت التخلص منها ؟ أليست هذه الخمسة جنيهات المهترئة التي لم يقبلها أحد مني؟ لماذا يصعب عليّ أن أتخلص منها الآن؟ قلت لنفسي كم من السخافة أن أفكر بهذه الطريقة ، عندها ابتسمت في وجه الرجل وأعطيتها له ثم مضيت راحلاً.

في اليوم التالي ، وبينما كنت أهم بوضع مصروفي اليومي في محفظة نقودي ، تفاجأت بأن الخمسة جنيهات ليست موجودة في محفظتي. شعرت بضيق وظننت أنني فقدتها ، أو أنها سقطت مني سهواً ، لكن سرعان ما تذكّرت أني أنفقتها أمس ، وأنني لن أراها ثانية في محظتي. شعرت بالحزن في تلك اللحظات. أعلم أننا لم نكن مناسبين لبعضنا بعضاً ، فهي لها عيوب كثيرة وعيوبي أكثر أيضاً ، ولم نكن نطيق بعضنا في الأساس ، لكن ذلك لا يمنع من فترة لأخرى أن أفتح قلبي ، أقصد محفظتي وأبحث عن الخمسة جنيهات فيها ، ولا يمنع عندما أرى ورقة خمسة جنيهات أخرى تشبهها أن لا أبتسم وأتذكرها وهي التي عذبتني كل يوم لكي أصرفها ، لربما استطعت أن أتخلى عنها ولا أريدها أن تعود ، لكن هذا لا يمنع أن أشعر إليها بالحنين ، وأن من حقي أن أتذكرها من فترة إلى أخرى ، وأن أرغب في الاطمئنان عليها … بل وأن أسأل وأطمئن عليها فعلاً …

مر زمن وبينما كنت ماراً بكشك صاحبي ، توقفت واشتريت من عنده شيئاً ، وأخذنا الكلام إلى أن سألته: هل تتذكر الخمسة جنيهات المهترئة التي أعطيتها لك قبل بضعة أشهر؟ هل مازالت معك؟ ضحك صاحبي وقال لي إنسها ، لقد راحت إلى صاحب نصيبها. ابتسمت غصباً وقلت له “أنا لست معترضاً ، بل أنا مسرور لأنها مازالت تُصرف بدلاً من وجودها مع شخص مثلي لا يقدّرها وساجنها في محفظته ، لكن صدقني حين أقول لك أن ما بيني وبينها عشرة ، والعشرة لا تهون إلا على من؟

نقلتها للفصحى
ماغي أيوب

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

[ دليل السواقة العربي ]

  • نود أن نذكّر متابعي موقعنا بأنه مازال في الإمكان حجز نسخة إلكترونية مجانية من دليل السواقة العربي لمقاطعة أونتاريو بعد تسجيل طلبك

    تسجيل