هل نقدر الجمال بحق؟

راديو بيتنا . ثقافة, فنون, مجتمع 498

في صباح يوم بارد وقف رجل في إحدى محطات المترو في العاصمة الأمريكية واشنطن ، وبدأ يعزف على آلة الكمان مقاطع من أرقي مقطوعات الموسيقار العبقري باخ ولمدة ٤٥ دقيقة. ولأنها كانت ساعة الذروة ، فقد مر به حوالي ١١٠٠ شخص معظمهم في طريقه إلى العمل.

بعد ٣ دقائق من بدء العزف ، أبطأ رجل في سيره ثم توقف لبضع ثوان ليستمع للموسيقى ، ثم مضى مسرعاً فى طريقه. بعدها بدقيقة تلقی عازف الكمان الدولار الأول من امرأة ألقت له المال دون أن تتوقف وواصلت سيرها. إلا أن طفلاً عمره حوالى ٣ سنوات هو من أظهر أكبر قدر من الاهتمام بموسيقى عازف الكمان ، لكن والدته التي كانت تحثه علی السير لم تستطع منعه من إلقاء نظرة على عازف الكمان ملتفتاً إليه من وراء كتفه وهو ماض في طريقه معها. وتكرر هذا الأمر مع العديد من الأطفال. فجميع الأطفال دون استثناء حاولوا التوقف والاستماع ، وجميع أولياء الأمور أجبروا أطفالهم على مواصلة السير.

خلال ٤٥ دقيقة من عزف الموسيقى لم يتوقف أحد للحظة ويستمع لمدة من الوقت سوى سةة أشخاص فقط. وقدم عشرون فقط ممن مروا من أمام العازف المال له … ثم واصلوا السير. فكانت نهاية ٤٥ دقيقة من العزف مبلغ ٣٢ دولاراً.

عندما أنهى العزف وعم الصمت ، لم يلاحظ ذلك أحد. ولم يصفق أحد ! لم يلحظ أحد أن عازف الكمان ليس إلا جوشوا بل ، واحد من أكبر وأشهر الموسيقيين الموهوبين في العالم. وأنه عزف مجموعة من القطع الموسيقية الأكثر تعقيداً ، وأنه يعزف علی كمان قيمته ٣ ونصف مليون دولار. لم يعرف أحد  أنه قبل يومين من عزفه في المترو  بيعت تذكرة حفلته بأحد مسارح بوسطن بمتوسط مائة دولار أمريكي.

كان عزف جوشوا بل في محطة المترو  ضمن تجربة نظمتها جريدة واشنطن بوست كدراسة اجتماعية حول الإدراك وأولويات البشر.

كانت الفكرة الأساسية هي:
– هل ندرك الجمال في جو غير مناسب وساعة غير مناسبة؟
– هل نتوقف لنقدره؟
– هل نتعرف على الموهبة في سياق غير متوقع؟

أحد استنتاجات هذه التجربة هو:
إذا لم يكن لدينا لحظة لنتوقف ونستمع لواحد من أفضل الموسيقيين في العالم يعزف أجمل ما كُتب لآلة الكمان من موسيقى ، فكم من الأشياء حولنا أثناء مسيرة الحياة تفوتنا دون أن نستمتع بها؟ وكم تغرنا أحياناً المظاهر … فنقدر أشياءاً ونعتبرها جميلة لمجرد أن الناس تراها جميلة.

إعداد حسام مدقه

راديو بيتنا

صوت الجالية العربية المستقل في كندا ، يبث على مدار أربع وعشرين ساعة يومياً ، مقدماً أجمل الألحان والموسيقى العربية من الثمانينيات إلى اليوم. منذ انطلاقته عام 2010 بلغ راديو بيتنا مرتبة متميزة لدى مستمعيه لاسيما في أمريكا الشمالية وأوروبا ، وبقية دول العالم ، بفضل حضوره المتميز على شبكة الإنترنت ، حيث بلغت نسبة تواصل مستمعيه ومتابعي صفحته على الأجهزة الذكية مستوى لم تصل إليه إذاعات محلية أخرى في كندا والولايات المتحدة.